فخر الدين الرازي

15

تفسير الرازي

لا تزر وزراً أصلاً كالمعصوم لا يزر وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزراً رأساً فقوله : * ( ولا تزر وازرة ) * بين أنها تزر وزرها ولا تزر وزر الغير * ( وأما ) * ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة ولزومها للموصوف . ثم قال تعالى : * ( وإن تدع مثقلة ) * إشارة إلى أن أحداً لا يحمل عن أحد شيئاً مبتدئاً ولا بعد السؤال ، فإن المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله ، فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال . المسألة الثانية : في قوله : * ( مثقلة ) * زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولاً : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * فيظن أن أحداً لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادراً على حمله ، كما أن القوى إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا تحمل عنه ، وأما إذا كان الحمل ثقيلاً قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال : * ( مثقلة ) * يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلاً للرحمة بالثقل بل لكون النفس مثقلة ولا يحمل منها شيء . المسألة الثالثة : زاد في ذلك بقوله : * ( ولو كان ذا قربى ) * أي المدعو لو كان ذا قربى لا يحمله وفي الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل ، أو الأجنبي الذي يرى أجنبياً تحت حمل لا يحمل عنه فقال : * ( ولو كان ذا قربى ) * أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس عليها حمل وكونه سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة ، لو كان المسؤول قريباً فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل . ثم قال تعالى : * ( إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ) * إشارة إلى أن لا إرشاد فوق ما أتيت به ، ولم يفدهم ، فلا تنذر إنذاراً مفيداً إلا الذين تمتلئ قلوبهم خشية وتتحلى ظواهرهم بالعبادة كقوله : * ( الذين آمنوا ) * إشارة إلى عمل القلب * ( وعملوا الصالحات ) * إشارة إلى عمل الظواهر فقوله : * ( الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ) * في ذلك المعنى ، ثم لما بين * ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) * بين أن الحسنة تنفع المحسنين . فقال : * ( ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ) * أي فتزكيته لنفسه . ثم قال تعالى : * ( وإلى الله المصير ) * أي المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلاً فالمصير إلى الله يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء ، والوازر إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى الله .